اخبار ضيافة دبي

سرعة الاستجابة حققت قصة نجاح المملكة العربية السعودية في الخروج من أزمة "كوفيد-19"

حققت المملكة العربية السعودية قصة نجاح مذهلة في مواجهة “فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية” (ميرس-كوف)، الفيروس الأشد فتكاً من “فيروس كورونا”، مؤكدة بذلك على مرونتها الاستثنائية في الاستجابة لطوارئ الصحة العامة، ولتضمن لسكانها والحجاج المقبلين عليها لأداء الشعائر المقدسة أن سلامتهم وعافيتهم تمثل ركيزة أساسية في استراتيجيتها لقطاع الرعاية الصحية.

وتبدى هذا النجاح بصورة أوضح مؤخراً في استجابة المملكة لوباء “كوفيد-19″، وخاصة في إطار استعداداتها لاستضافة أعمال قمة مجموعة العشرين في الرياض. فقد أكّد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود “حفظه الله” على أهمية “الاستجابة العالمية” كأولوية قصوى للتصدي لوباء “كوفيد-19” وتداعياته على أنظمة الرعاية الصحية والاقتصاد العالمي، وذلك في أعقاب الاجتماع الافتراضي الاستثنائي الذي عقدته مجموعة العشرين في شهر مارس.

فقد سارعت المملكة العربية السعودية إلى اتخاذ الخطوات العملية رغم التقلبات التي تشهدها أسعار النفط والتحديات الناجمة عن الوباء، وبذلت جهوداً مكثفة لتجاوز هذه الأزمات على مختلف الأصعدة. ووضعت المملكة نفسها في مواجهة مباشرة مع الوباء وأحزرت نجاحاً متميزاً في المراحل الأربعة لإطار عمل الجاهزية والاستجابة والمتمثلة في: الوقاية؛ والكشف؛ والاحتواء؛ والعلاج.

تسخير الجهود المكثفة لاجتياز التحديات

واجهت المملكة العربية السعودية واحدة من أصعب الظروف للتصدي للأزمة ، فهي تضم أكبر تعداد سكاني في منطقة الخليج العربي وشريحة واسعة من الوافدين الذين يعيشون ويعملون على أرضها. ولهذا، تعين على إطار عمل الجاهزية والاستجابة ألا يقتصر على أبنائها وحسب، بل أن يشمل أيضاً مجموعات سكانية متنوعة من كافة الثقافات والجنسيات.

وباعتبارها مهد الإسلام وقبلة المسلمين من مختلف أنحاءالعالم، تستقبل المملكة العربية السعودية سنوياً الحجاج في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، الأمر الذي استدعى منها اتخاذ إجراءات صارمة وسريعة ضماناً لسلامة سكانها والحجاج على حد سواء.

فقد سارعت المملكة إلى تعليق الحج والعمرة حتى قبل الكشف عن أية إصابة بمرض “كوفيد-19″، وحظرت الدخول إلى المدينتين المقدستين منذ 26 فبراير 2020 حتى قبل مبادرة العديد من الدول بالإغلاق الشامل بوقت طويل وبدء منظمة الصحة العالمية بتقييم مرض “كوفيد-19” لإعلانه وباء عالمياً. وبعدها بنحو شهر من الزمن، وتحديداً في 23 مارس من العام الجاري، قامت 17 دولة أو منطقة بفرض قيود جديدة على السفر أو بتحديث لوائح السفر.

وساهم فرض القيود على السفر  في مرحلة مبكرة بدور كبير في تحسين مخرجات التصدي لانتشار الفيروس المستجد. فوفقاً لدراسة تناولت تأثير التنقل على انتشار الوباء: “جاء منع السفر في مدينة ووهان متأخراً للغاية”، بينما “طبقت بلدان أوروبا قيود السفر بعد أسبوع من تسجيل كل دولة لإصابات بمرض ’كوفيد-19‘، ما يعني أن جميع البلدان الأوروبية لم تكن محمية من انتشار الوباء. وبفضل بُعد نظر حكومتها الرشيدة، كانت المملكة العربية السعودية من البلدان التي لم تفقد السيطرة على تفشي الوباء.

واستناداً إلى خطة استجابة واضحة، طبقت المملكة مجموعة واسعة من الإجراءات المكثفة وتولت وزارة الصحة قيادة جهود الاستجابة بالاستفادة من البنية الرقمية المتطورة لقطاع الرعاية الصحية، إضافة إلى حشد الدعم من أكثر من 25 مستشفى وتأمين الموارد الطبية منذ المراحل الأولى للوباء بهدف احتواء الانتشار وتجنب ارتفاع الإصابات بمعدلات حادة تثقل كاهل منظومة الرعاية الصحية. وتم أيضاً اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتعزيز القدرات الاستيعابية للمستشفيات وإنتاج معدات الوقاية الشخصية والمستلزمات الطبية.

ولم تغفل المملكة العربية السعودية عن مسألة الأمن الغذائي، فحرصت على توفير المخزون الغذائي في المتاجر بينما كانت مشكلة تكديس السكان للمواد الغذائية تتصدر عناوين الصحف في دول أخرى.

وبفضل السياسات الحاسمة التي وضعتها وأطر الحوكمة الصارمة ومنظومتها المتطورة للرعاية الصحية، نجحت المملكة في تجاوز الأزمة وها هي اليوم على المسار الصحيح نحو التكيف مع “الواقع الجديد” واستئناف النشاط الاقتصادي على مراحل.

برنامج شامل للكشف عن الإصابات

منذ بداية تفشي الوباء وتحديداً في 30 مارس 2020، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز “حفظه الله” الأمر الملكي المتضمن تقديم الرعاية الصحية مجاناً لجميع المصابين ب”فيروس كورونا” من المواطنين والمقيمين، ومخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود في جميع المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية والخاصة دون أية تبعات قانونية.

وتحت إشراف مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، تم على الفور تشكيل لجنة رفيعة المستوى يترأسها معالي وزير الصحة وتضم نخبة من المتخصصين في مختلف القطاعات وترفع تقاريرها لسموه شخصياً. وتواصل اللجنة اجتماعاتها يومياً لتقييم الوضع واتخاذ الإجراءات الفورية حسب الضرورة، مدعومة بالتوجيهات العملية للقيادة الحكيمة.

وبالتعاون مع الجهات المعنية، تمت إحاطة المجتمع بأحدث المستجدات تعزيزاً للشفافية والموثوقية، وذلك عبر رسائل معدّة بدقة متناهية لتتناسب مع كافة شرائح سكان المملكة على اختلاف أعمارهم وجنسياتهم.

وفي البداية، كانت طاقة فحوصات تفاعل البوليمراز المتسلسل (PCR) في المملكة العربية السعودية تبلغ نحو 1000 فحص يومياً؛ وسرعان ما ارتفعت إلى 95 ألف ليصل متوسط عدد الفحوص اليومية إلى 65 ألف فحص. ووفقاً للأرقام المسجلة في 21 يوليو 2020، وصل إجمالي عدد فحوصات “كوفيد-19” في المملكة إلى 3.5 ملايين فحص مخبري.

وقامت المملكة بتكثيف الاختبارات على مراحل متعددة بمجرد تخفيف القيود المفروضة على الحركة من خلال فتح مراكز اختبار مجانية للجميع من المركبة في المدن الكبرى مثل مكة والمدينة والرياض وجدة والدمام وعسير، إضافة إلى تفعيل خدمات عيادات تطبيق (تطمّن) الذي يهدف إلى تقديم الحماية والرعاية الصحية للمواطنين والمقيمين المحالين للعزل المنزلي أو الحجر الصحي ويعزز من إجراءات تعافيهم، ويعمل في أكثر من 230 موقعاً في مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات حول المملكة للمرضى الذين يعانون من الأعراض.

وبالتوازي مع ذلك، كان المختبر الوطني في “المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها” بمثابة مركز مرجعي أولي للاختبارات المخبرية السريرية المتقدمة. ومنذ ذلك الحين، وسعت المملكة مختبراتها لإجراء اختبارات تفاعل ال (PCR)  لمرض “كوفيد-19” من مختبر واحد إلى 51 مختبر تغطي كافة مناطقها.

وعلى صعيد الطاقة الاستيعابية، عززت المملكة من قدرات مستشفياتها على استقبال مرضى العناية المركزة وغير المركزة، فأضافت أكثر من 2500 سرير عناية مركزة مجهز بالكامل خلال 3 أشهر فقط، ويمثل ذلك أكثر من 30% من الطاقة الاستيعابية التي تم توفيرها لوحدات العناية المركزة خلال سنوات.

وشهدت الفترة نفسها توظيف أعداد كبيرة من الممارسين في مجال الرعاية الصحية وتدريب الآلاف من المتطوعين والمتخصصين للمساعدة في رعاية المرضى عند الحاجة، بينما تولى عدد من الفرق التخصصية المكرسة مهمة الإشراف على بروتوكولات العلاج ضماناً لتحديثها بسرعة وسلاسة.

وحرصت الجهات القائمة على مواجهة الوباء على تسخير أحدث التقنيات لرعاية مرضى الحالات الحرجة، ومنها خوذة  الأوكسجين والأنبوب الأنفي سريع التدفق، واللذان وفرا نتائج مشجعة وساعدا الكثير من المرضى على تجنب عمليات التنبيب وأجهزة المساعدة على التنفس.

واستهلت المملكة أيضاً مرحلتها الأولى من التجارب السريرية للقاح محتمل لمكافحة “فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية” (ميرس-كوف)، إضافة إلى مواصلة تجارب علاج (MIRACLE) لتقييم العلاجات المضادة للفيروسات عند المصابين بحالات شديدة من  متلازمة “ميرس-كوف”، ويجري حالياً توسيعها لتشمل مرضى “كوفيد-19”.

نحو الواقع الجديد

طبقت المملكة العربية السعودية مجموعة صارمة من إجراءات الاحتواء، أبرزها إغلاق المدارس والجامعات والمراكز التجارية وحظر التجمعات العامة وتعليق عمل العديد من الجهات الحكومية، وفرض الإغلاق الشامل في المدن الرئيسية والتقييد الجزئي للحركة في المدن الأصغر، وذلك بعد تقييم شامل للوضع العام. وتواصل سياسات العمل عن بعد من المنزل، وفرض ارتداء الكمامات في المناطق العامة تقديم الدعم لتركيز المملكة على إدارة الجائحة، وجميعها تحقق نتائج ناجحة.

وفي الوقت الراهن، يبلغ معدل وفيات “كوفيد-19” في المملكة 0.9%، وهو أدنى بشكل ملحوظ من المعدل العالمي الذي يتراوح حالياً بين  4% و5%. وفي حين تبقى مسببات التفاوت في معدلات الوفيات المرتبطة بـمرض “كوفيد-19” بين البلدان والمناطق غير مفهومة بالكامل، يبدو أن الوصول السريع إلى الرعاية الصحية والتدخل المبكر والرعاية الداعمة من الجوانب الحاسمة على صعيد تقليص الوفيات الناجمة عن الوباء.

ورغم انخفاضها، ينبغي النظر إلى معدلات الوفيات من زاوية تأخذ بالحسبان عوامل الخطر السكانية مثل أمراض أنماط الحياة التي تتضمن السكري والبدانة وأمراض القلب. ويشار هنا إلى أن معدل انتشار السكري في المملكة العربية السعودية يبلغ 18.3% وهو بطبيعة الحال عامل خطر رئيسي لدى مرضى “كوفيد-19”. وكانت الإصابات المرضية المشتركة التي يجتمع فيها “كوفيد-19” مع مرض آخر أو أكثر من أعقد التحديات التي واجهتها المملكة، لكنها تمكنت من إبقاء الوفيات عند معدلات منخفضة.

وتأتي عودة المملكة العربية السعودية إلى الوضع الطبيعي في غضون 73 يوماً تأكيداً على أسلوبها الناجح في إدارة الوباء، فقد عاد قطاع التجارة لنشاطه الطبيعي مدعوماً بتطبيق كافة بروتوكولات السلامة اللازمة وفي ظل إشراف متواصل من وزارة الصحة التي تقيم الوضع باستمرار عن كثب، لاسيما على صعيد الحج والعمرة وتوافد المسلمين على المدن المقدسة، وهو أمر تجري مراجعته دورياً.

ورفعت المملكة القيود المفروضة على رحلات الطيران أيضاً، وأعادت فتح المساجد والمراكز التجارية والمرافق الترفيهية والمطاعم. وجاء ذلك نتيجة المنهجية المنظمة في  تتبع المؤشرات مثل جاهزية النظام الصحي للتعامل مع الوباء وإدارة الانتشار في المجتمع وكفاءة نظام الرعاية الصحية وفاعلية الأداء.

وبنجاحها المتميز في الاستجابة لهذا الوباء عبر الإدارة عالية الكفاءة، توفر المملكة العربية السعودية خارطة طريق فعّالة يقتدى بها في إدارة أزمات الرعاية الصحية حول العالم.

 39 total views,  5 views today